عبد الوهاب الشعراني
19
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [ النساء : 1 ] إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ النساء : 1 ] والآية التي في الحشر اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ الحشر : 18 ] . « تصدّق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع تمر من صاع برّ حتّى قال ولو بشقّ تمرة » . قال فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت فتتابع الناس حتى صار كومين من طعام وثياب حتى تهلل وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء » الحديث . وفي رواية للإمام أحمد والحاكم وابن ماجة وغيرهم مرفوعا : « من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره ومثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء » الحديث . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « من سنّ سنّة حسنة فله أجرها ما عمل بها عامل في حياته وبعد مماته حتّى تترك » الحديث . وروى ابن ماجة والترمذي مرفوعا وقال حديث حسن : « من أحيا سنّة من سنّتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيء ، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها اللّه ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار النّاس شيء » . ومعنى لا يرضاها اللّه ورسوله : أي لا يشهد لها كتاب ولا سنة بالصحة . وروى ابن ماجة والترمذي وغيرهما مرفوعا : « إنّ لهذا الخير خزائن ولتلك الخزائن مفاتيح ، فطوبى لعبد جعله اللّه مفتاحا للخير مغلاقا للشّرّ » واللّه تعالى أعلم . [ الحث على طلب العلم ومطالعته : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن ندمن مطالعة كتب العلم وتعليمه للناس ليلا ونهارا ما عدا العبادات المؤقتة والحوائج الضرورية . ومذهب إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه أن طلب العلم على وجه الإخلاص أفضل من صلاة النافلة . واعلم أن الشارع صلى اللّه عليه وسلم ما نوع العبادات المتفاضلة في الأجر إلا لعلمه صلى اللّه عليه وسلم بحصول الملل للعاملين ولو في الأمور الواجبة ، فإذا حصل الملل فيها انتقلوا إلى واجب آخر أو إلى ذلك الأمر المفضول ، فإذا حصل الملل منه كذلك انتقلوا لمفضول آخر أو فاضل أو أفضل ما لم يجدوا في نفوسهم مللا فيه ، فعلم أن سبب تنوع المأمورات إنما هو وجود الملل فيها إذا دامت ، فلو تصور أن إنسانا لم يمل من الواجبات أو مما هو أفضل لأمره صلى اللّه عليه وسلم بملازمتها وترك الأمور المفضولة جملة ، لأنه ما تقرب المتقربون إلى اللّه تعالى بمثل أداء ما افترضه عليهم ، ولكن لما كان يحصل لهم من الملل في الواجبات حتى لا يبقى في نفس العامل داعية ولا خشوع ولا لذة بتلك العبادات كان العمل المفضول الذي له فيه داعية ولذة